ابن حزم

213

الاحكام

عندنا فيها إلا الاجماع وحده ، وذلك مثل القراض الذي لولا الاجماع على جوازه لاتصال نقل الاعصار به عصرا بعد عصر بأنه كان القراض في الجاهلية مشهورا ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره ولم ينه عنه ، وهو يعلمه فاشيا في قريش ، وكانوا أهل تجارة ولا عيش لهم إلا منها - لم نجزه ، ولو وجدنا واحدا من العلماء يقول بإبطاله لوافقناه ولقلنا بقوله ، إذ لا نص في إباحته ، ولأنه شرط لم يأت به نص ، وكل شرط هذه صفته فإن لم يتفق على صحته فهو باطل بقوله عليه السلام : كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل فما كان من هذا النوع فإنا نراعي في مسائله الاجماع ، فما أجمعوا عليه منها قلنا به . وما اختلف فيه أسقطناه بالبتة ، لأنه قد بطل الاجماع فيه ، والاجماع هو برهان صحته الذي لا برهان لصحته سواه ، وما بطل برهان صحته فقد بطل القول به ، وأما ما قام برهان ع لي صحته من غير الاجماع . فلا ينبغي أن يلتفت من وافق عليه ، ولا من خالف ، ولا يتكثر بمن وافق فيه كائنا من كان ، ولا يستوحش ممن خالف فيه كائنا من كان ولو كان ما ذكر هذا المغفل حجة لساغ للحنيفي أن يقول : قد وافقتموني على وجوب قطع يد من سرق ما يساوي عشرة دراهم ، وخالفتكم في قطع من سرق أقل من ذلك ، فلا يلزمني إلا ما اتفقنا عليه ، لا ما اختلفنا فيه . ولساغ له أن يقول : قد وافقتموني على أن القصر يكون من ثلاثة أيام فصاعدا ، واختلفنا في أقل ، فلا يجب إلا ما اتفقنا عليه . ولساغ له أن يقول : قد وافقتموني على أن الصداق يكون عشرة دراهم ، وخالفتكم في أقل من ذلك ، فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه ، لا ما اختلفنا فيه . ولساغ للمالكي أن يقول : قد وافقتموني على أن المغتسل إذا تدلك تم غسله ، وخالفتكم فيه إذا لم يتدلك ، فلا يجب إلا ما اتفقنا عليه دون مما اختلفنا فيه ووافقتموني على أن من وقف بعرفة ليلا أن وقوفه صحيح ، وخالفتكم فيمن وقف نهارا ودفع قبل غروب الشمس ، فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه . ولساغ له أن يقول : قد وافقتكم على أن الصوم إذا سلم من الاكل بالنسيان